عبد الملك الجويني
360
الشامل في أصول الدين
ويحيي ويميت ، ويعلم ويقدر ، ويتصف بالحياة والإرادة ، موجود قطعا . وهذه طريقة القاضي سنوردها في مواضع . فإن من أصله أنا نعلم اضطرارا أن الفعل لا يصدر إلا من قادر عليه ، والإحكام والإتقان فيه لا يتحققان إلا من عالم به يتصف بحكم القدرة والعلم ، ولا يتصف بحكم القدرة والعلم إلا حي . فذكر القاضي أن السبيل في ذلك كله الضرورة ، فإنا نعلم اضطرارا أن الميت والجماد يستحيل منهما الأفعال الاختيارية ، وكذلك نعلم ضرورة استحالة صدور البناء المنظم من الجاهل . فإذا كنا نسلك هذه الطريقة في العلم ، والقدرة ، والحياة ، فسلوكها في إثبات وجود الصانع أولى ، فإن قول من قال : صدر البناء عن معدوم ، أبعد من قول من قال : إنه صدر من جاهل أو عاجز . وسلك القاضي مسلكا آخر وقال : قد دل الفعل على الصانع وعلى كونه عالما ، قادرا ، حيا مريدا ، واستبان تقدسه عن جملة صفات الحدث . والذي نعيه بالوجود ذلك ، فمن ساعد في ثبوت الصانع وكونه عالما قادرا ، فقد ساعد فيما نبتغيه . فإذا أنكر الوجود بعد ذلك ، كان مناقضا أو مناقشا في عبارة ولا محصول لها . ومما تمسك به الأصحاب أن قالوا : قد ثبت افتقار الفعل إلى الصانع العالم القادر ، وقام واضح الأدلة على أن العالم القادر : من قام به العلم والقدرة ، ويستحيل قيام المعاني بالمعدم والمنتفي ، إذ ما اتصف بالعدم والانتفاء ، استحال أن يتخصص به معنى قياما ، وإنما يتحقق بالاختصاص في كائن تعين له الوجود . ولا تستقيم على أصول المعتزلة دلالة أصلا ، وذلك أن مما تولعوا به وظنوا استقامته لهم ، ما ذكرناه آخرا من افتقار الفعل إلى العالم القادر . وهذا غير سديد على أصلهم . إذ من أصلهم : أن كون القديم عالما قادرا ، من صفات نفسه . ولا يبعد على مقتضى أصلهم إثبات صفات النفس للمعدوم . وهذا كإثباتهم صفات النفس للأعراض والجواهر . فإن راموا عن ذلك مخلصا وقالوا : القدرة يستحيل أن تتعلق بالمقدور في عدمها ، ونحن وإن قلنا الصانع قادر لنفسه ، فنفسه تتعلق بالمقدور كتعلق القدرة . فإذا ثبت امتناع تعلق القدرة المعدومة ، فيثبت لذلك اقتناع تعلق الذات القادرة لو ثبت عدمها . وهذا الذي ذكروه لا محصول له ، فإنهم بنوا ما طولبوا به على امتناع تعلق القدرة المعدومة بالمقدور ، وهذا لا يسلم على أصولهم من القوادح . ولو طولبوا فيه بالتحقيق ، لم يجدوا إليه سبيلا . فإن قالوا : الدليل على امتناع تعلق القدرة في عدمها : أنها لو تعلقت بمقدور ، لافتقرت إلى قادر بها ، إذ من المستحيل [ وجود ] « 1 » قدرة متعلقة بمقدور ، ولا قادر بها ،
--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .